علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
311
نسمات الأسحار
وقال لي : هذا النعش جعل وقفا على الأحياء أو على الأموات ؟ فقلت : على الأموات ، فقال لي : أراك جالسا عليه أيسوغ لك في مذهبك فسكت ثم قال الفقير يرد ذهنه ويحاسب نفسه وقال : إني لأمر حين أدخل أدوس على هذا النعش ، وأعتقد بمشى عليه أنى عاص للّه . وله أخبار كثيرة في هذا المعنى يطول الحال في شرحها . وكان مسجدنا يعدّ للضيافات وأكل الطعام فيه في الأعراس والعزاء فلا زال حتى يسر اللّه تعالى وحماه من قاذورات الطعام والعظام ودخول الكلاب ، وضع منه بدعا كثيرة . منها : أنا كنا نقرأ البخاري ويختلط الرجال بالنساء من غير حجاب ، وهو معصية فلم يمكنا من قرأته إلا بحجاب يضرب بيننا وبين النساء ، وهدى اللّه تعالى على يده أناسا عديدة إلى الصلاة والذكر والتوبة من الخمر ، ومنع الحديث في الدنيا من المسجد - والشكر للّه تعالى - إلا نادرا ، وجدد أنواعا من الخيرات يطول شرحها فجزاه اللّه عنا خيرا ، وظهر له كرامات أخبرني ببعضها بعض من أثق به ، وهو من أهل الخير والصلاة ، ولما عزم على الصلاة جمعنا له بعض نفقة نحوا من مائة وخمسين درهما فدفعتها إليه فأخذ منها درهمين ورد إلى الباقي ، وأمرني بصرفه في وجوه الخير . وبالجملة : فهو عالم بالفقه على مذهب الإمام مالك يحفظ رسالة ابن أبي زيد ، وأخبرني أنه حفظ المدونة في المذهب وقدرها نحو مائة وعشرين حزبا من القرآن قدر المصحف مرتين ويقرأ لنافع ، وحفظ الكراريس عبارة عن كتب مختصرة يعرفها أهل المغرب . وأما علم الفرائض والحساب ، وما يتعلق به ، وكان يقول لا أجد في هذه البلاد مع من أتكلم بها ووقعت له واقعة مع بعض علماء الشام ، كان قد ألف كتابا فجمع القدر بينه وبينه فاطلعه العالم على ذلك الكتاب فوجده قد وضع في الفرائض مسألة لخصها على غير وجهها فبين له الشيخ الخطأ فيها وأمره بإصلاحه ، وقرأ عليه ذلك العالم بدمشق شرح الياسمينية ، وأما علم الميقات فأخبرني أنه لا يجد مع من يتكلم به في بلادنا هذه وفي النحو والسير والتواريخ ، وطرق من الطب والحديث ، مشارك للناس في ذلك ، ومع هذا كان يحضنا على العلم باللّه